دراسة في الشعر النبطي : تعقيب المؤلف على الدراسة

مارس 2020

( الحلقة 29 – الأخيرة ) إعداد الباحث حمد حسن الفرحان النعيمي رحمه الله

وبعد هذا العرض الذي راعينا فيه الموضوعية قدر الإمكان، لا بد لي من طرح بعض الآراء التي أرى أنها تستحق المناقشة، وهي:
أولاً:
أود أن أطمئن الخائفين على اللغة العربية الفصحى وشعر الفصحى من الشعر النبطي بأن اللغة العربية بخير، وأن شعر الفصحى لن يتأثر مطلقاً بأي مؤثر، لا الشعر النبطي ولا غيـره، فاللغـة العربية الفصحى قد استقرت منذ النصف الأول من القرن الأول الهجري، منذ أن قيـض الله لهـا رجالاً وهبوها أنفسهم، فضبطوا أصولها ووضعوا قواعدها واشتقوا أصـول صـرفها، وإن لغـة صمدت لمؤامرات الاستعمار ودسائسه لقادرة على الصمود في وجه كل من يريـد بها سـوءاً، وإن شعراً قاوم الاستعمار وشحذ همم المناضلين ضده لجدير بالبـقاء والخـلود، مهمـا تكن الأحقـاد والدسائس.
ثانياً:
لم ينشأ الشعر النبطي لمحاربة شعر الفصحى، ولو كان كذلك لما التزم كل طرق شعر الفصحى وأساليبه، ولما استمر في اتجاهه ونحا منحاه وتوسم خطاه وبنى على بحوره وطوّرها دون المساس بجوهرها، فالولد لا يمكن أن يعق أباه كل الوقت، والوالد لا يمكن أن ينكر ابنه ولو عقه هذا الابن وجفاه. والشعر النبطي وشعر الفصحى لا يفصل بينهما إلا اللحن في الشعر النبطي، أما باقي مكونات الشعر النبطي فقد استمدها واحتفظ بها من شعر الفصحى.
ثالثاً:
يجب رعاية الشعر النبطي بالحفاظ عليه من الضياع والاندثار كما اندثرت آثار الأمم العظيمة التي سكنت هذا الوطن منذ أقدم العصور فأصبحنا لا نعرف من أخبارها شيئاً إلا ما عثر عليه من نقوش، ولا نعرف من لغاتها إلا رموزاً لا نستطيع أن ننطقها إلا مترجمة، فنضع حرفاً من حروفنا اليوم مقابل حرف من حروفهم التي عثرنا عليها لتتكون لدينا جملة يعروها كثير من التحريف والتصحيف.
رابعاً:
يجب أن تحتفظ القصيدة النبطية بشكلها العام الموروث، وألّا يدخل عليها التغيير بأي حجة كانت لغير الضرورة اللازمة لتطويرها، وألّا يسمح للعابثين الجاهلين بفنون الشعر النبطي الدخول إلى ساحته وإرباك فرسانه، حتى لا يغطي نعيقهم شدو بلابله.
خامساً:
يجب أن يشجع الشعر النبطي وأن يوضع في إطاره السليم الصحيح، فلا يطالب أحد بجعله بديلاً لشعر الفصحى، ولا يقلل أحد من شأنه ويطالب بإهماله، ويجب أن يدرس بعناية ودراية تظهر الفائدة منه والغرض من نظمه، وأن يشجع أصحاب الإنتاج الجيد في الشعر النبطي وأن يمنحوا المكافآت التقديرية، وأن يمنع أصحاب الإنتاج الرديء منه ويرغموا على الانسحاب من ساحته.
سادساً:
أن يدرس المتخصصون الشعر النبطي دراسة موضوعية مستفيضة، ليستنبطوا ألفاظه ومعانيه وأغراضه واشتقاقاته ومصطلحاته وتطورها مع الزمن، ويشرحوا كلماته ويبينوا اشتقاقاتها بأسلوب علمي بعيد كل البعد عن الغرض والهوى.
سابعاً:
أن يُعتمد الشعر النبطي في الدراسات الجامعية العربية أسوة بما يدرس من الأغاني الشعبية، والمسرحيات التي تكتب باللهجات المحلية المحكية التي تدرس في الجامعات العربية والمعاهد التابعة لها، ضمن تطور الفنون الشعبية. وقد تكون بعض الأغاني التي تدرس في الجامعات العربية والمعاهد التابعة لها، كالمعاهد الموسيقية، قد بنيت على الشعر النبطي، مثل دراسات الموال، والموال الزهيري، وهو من أنواع الشعر النبطي، والسامري، وهو فن قام أساساً على الشعر النبطي، والأمثلة على ذلك كثيرة، فكيف يدرس الفرع ويترك الأصل؟.
ثامناً:
لقد أخذ الشعر النبطي مكانه المرموق بين مختلف وسائل التعبير الأدبي العربي، ولا داعي لإنكار ذلك.

وأخيراً أنقل لكم عبارة كتبها الشيخ عبد الله بن محمد بن خميس في كتابه «الأدب الشعبي في جزيرة العرب»، فيقول: «إن شعراً وأدباً يعبر عن حياة أمة، ويحفظ تاريخ أجيال، ويرويه كثير من العرب، ويتأثرون به، ويتناقشون فيه ما يزيد على خمسة قرون، لجدير بأن يحتضنه الفكر العربي، ويدرسه دراسة شاملة، ويستخرج من كنوزه ما ظلت المكتبة العربية فقيرة إليه».

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *