المفدي زكريا.. شاعر ثورة الجزائر ومبدع إلياذتها

أبريل 2020

بقلم‭:‬ د‭. ‬مصطفى‭ ‬مبارك‭ ‬

احتلت فرنسا الجزائر عام ١٨٣٠، ولم تكتفِ بنهب موارد البلاد وثرواتها، بل عمدت إلى طمس الهوية العربية الإسلامية للبلاد، كما اتسم سلوك المستوطنين الفرنسيين بالغطرسة وتعمد إذلال الشعب الجزائري.
كل هذه العوامل أشعلت نار الثورة في صدر الشعب الجزائري، فثار ثورة عارمة عام ١٩٥٧م بقيادة جبهة التحرير الوطني الجزائرية، التي اختارت الكفاح المسلح وسيلة للنضال، حتى حققت الاستقلال وطردت المستعمر عام ١٩٦٢م.
دفع الشعب الجزائري مهراً غالياً للاستقلال، وهو مليون ونصف المليون شهيد، لهذا توصف الجزائر بأنها بلد المليون شهيد.
عدد كبير من مثقفي العالم انحازوا للثورة الجزائرية، خصوصاً المثقفين الفرنسيين، أمثال الفيلسوف جان بول سارتر، وزوجته سيمون دي بوفوار، والكثرة الغالبة من مثقفي حركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
وعلى المستوى الوطني في الجزائر نفسها، انحاز المثقفون الوطنيون للثورة وانضموا لكتائبها منذ تكوين أول خلية وإطلاق أول رصاصة، وكرسوا ثقافتهم وأدبهم من أجل الثورة، وكان في طليعتهم الشاعر مفدي زكريا.
اسمه بالكامل زكريا بن سليمان بن يحيى، ولد في ١٢ يوليو ١٩٠٨م في بني يزقن بوادي مزاب جنوب الجزائر، وقضى مراحل دراسته الأولى في مدينة عنابة، وكان والده يعمل تاجراً فيها، وفي عام ١٩٢٠م سافر إلى تونس لمواصلة دراسته والتحق بالمدرسة الخلدونية، ثم أكمل دراسته بجامعة الزيتونة.
تأثر مفدي زكريا بالحركات الوطنية المناهضة للاستعمار الفرنسي في تونس وواكبها بشعره وأناشيده الحماسية، وكان يوقع قصائده تحت اسم «ابن تومرت»، وهو مؤسس الدولة الموحدية في بلاد المغرب (١٠٧٧ – ١١٣٠م)، أما لقب «مفدي» فقد أطلقه عليه أحد زملاء دراسته، فعدل اسمه الذي يوقع به قصائده إلى «مفدي زكريا»، الذي اشتهر به طوال حياته.
ومن أشهر قصائد زكريا في بواكير حياته الشعرية، قصيدة «إلى الريفيين»، التي نشرها في جريدة لسان الشعب التونسية عام ١٩٢٥م وأهداها لسكان الريف الذين ثاروا على الاستعمار الفرنسي عام ١٩٢٤ بقيادة عبدالكريم الخطابي.
عاد مفدي زكريا إلى الجزائر بعد أن أكمل دراسته، وانخرط في حركة النضال الوطني في الجزائر العاصمة، وعمل رئيساً لتحرير صحيفة الشعب المناهضة للاستعمار، وكان نجماً لامعاً في الحياة الثقافية في العاصمة الجزائر، وبسبب نشاطه السياسي اعتقل عام ١٩٣٧ وقضى بالسجن عامين، وتوالت بعد ذلك مرات اعتقاله، فاعتقل في مايو ١٩٤٥ وقضى في السجن ثلاث سنوات، ثم في عام ١٩٥٥، وعندما أطلق سراحه انضم إلى أولى خلايا جبهة التحرير الوطني الجزائرية بالجزائر العاصمة، وألقي عليه القبض هو وزملائه عام ١٩٥٦ وبقي في السجن حتى عام ١٩٥٩م، وكان سجناً قاسياً ذاق فيه صنوف العذاب، وبعد إطلاق سراحه عام ١٩٥٩ فر إلى تونس للعلاج من آثار التعذيب.
وبعد الاستقلال عام ١٩٦٢م بدأت مرحلة جديدة من تاريخ نضاله الشعري والسياسي، وعاش متنقلاً بين بلدان المغرب العربي، وكان بالفعل سفيراً للقضية الجزائرية في الصحافة المغربية والتونسية، وحمل هموم وطنه أينما حل.
كانت أناشيد مفدي زكريا وقصائده مرآة عاكسة لثورة الجزائر، وتميز شعره بالصور الحقيقية عن واقع الجزائر المثخن بجراحات الاستعمار، وامتزج فيه الإحساس الأدبي والسياسي، لهذا استحق بالفعل لقب «شاعر الثورة الجزائرية»، الذي لازمه طوال حياته.
ظل مفدي زكريا يكتب الأشعار والمقالات السياسية، ويناضل من أجل إرساء الحكم الوطني حتى بعد الاستقلال، وكان سفيراً متجولاً لجبهة التحرير الوطني الجزائرية في العالم العربي، يُعرف بأهدافها ومراميها، حتى وافته المنية في تونس عام ١٩٧٧م.
ترك مفدي زكريا تراثاً ضخماً من الأناشيد والقصائد بالعامية والفصحى، بجانب مئات المقالات السياسية والثقافية المنشورة في الجزائر وبلدان المغرب العربي، وهو مؤلف النشيد الوطني الجزائري، وقد ألفه وهو في سجن سركاجي المرعب عام ١٩٥٦، ولا يزال معتمداً ويردد حتى الآن، ونشر قبل وفاته ديوان شعر حمل عنوان «تحت ظلال الزيتون» عام ١٩٦٥، وديوان «اللاهب المقدس»، الذي ضم حوالي ١٠٠ قصيدة متفرقة.
لقد أعاد مفدي زكريا المجد إلى القصيدة العربية الطويلة، وإلى شعر الملاحم، الذي خبا في القرون الأخيرة، فقد نظم ملحمة من ألف بيت من الشعر، تغنى فيها بأمجاد الجزائر وحضارتها ومقاومتها للمستعمرين الذين اجتاحوا أراضيها، واختار لها عنواناً هو إلياذة الجزائر، مجاراة لملحمة الإلياذة الإغريقية للشاعر اليوناني الأعمى هوميروس، التي ضمت تاريخ اليونان القديمة وحرب طروادة، وكأنه يريد أن يقول نحن أيضاً لنا تاريخنا الذي لا يقل أصالة عن تاريخ الحضارة الإغريقية.
ومن أجمل القصائد التي تركها مفدي زكريا نشيد الشهيد، الذي كتبه عندما كان معتقلاً في سجن بربروس القاسي عام ١٩٥٦، ولهذا النشيد ذكرى مقدسة عند المناضلين الجزائريين، فقد كان نشيد وداع حياة النضال، وكان يردده المحكوم عليهم بالإعدام من الثوار وهم في طريقهم إلى المشنقة.
ونال مفدي زكريا عدداً كبيراً من الأوسمة من الدول العربية، وكرمته حكومة الجزائر بأن أطلقت اسمه على قصر الثقافة بالجزائر العاصمة، كما صدر عام ١٩٧٧م طابع بريدي يحمل اسمه، لكن الوسام الأهم كان لقب «شاعر ثورة الجزئر»، تلك الثورة التي كتب فيها ملحمته «إلياذة الجزائر»، التي أعاد بها المجد إلى الملاحم في الشعر العربي المعاصر، وقد جعلت منه سنوات السجن الطويلة أشهر شاعر سجين في دول العالم الثالث.
وننشر هنا مقطعاً من «إلياذة الجزائر»:
جزائر يا بدعة الفاطـر
ويا روعة الصانع القادر
ويا بابل السحر، من وحيهـا
تلقب هاروت بالساحــر
ويا جنة غار منها الجنــــان
وأشغله الغيب بالحاضــر
ويا لجة يستحم الجمـال
ويسبح في موجها الكافر
ويا ومضة الحب في خاطري
وإشراقة الوحي للشاعـر
ويا ثورة حار فيها الزمــان
وفي شعبها الهادئ الثائر
ويا وحدة صهرتها الخطـوب
فقامت على دمها الفائـر
ويا همة ساد فيها الحجــى
فلم تك تقنع بالظاهـــر
ويا مثلاً لصفاء الضميــر
يجل عن المثل السائـر
سلام على مهرجان الخلــود
سلام على عيدك العاشــر

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *