المدرج الروماني قلب المسرح النابض.. رمز حوار الحضارات الأبدي

أبريل 2020

د‭. ‬مصطفى‭ ‬مبارك‭ ‬

احتفل المسرحيون والعاملون في مجال الفنون الاستعراضية باليوم العالمي للمسرح في السابع والعشرين من شهر مارس المنصرم، وذلك وفق قائمة الأيام الثقافية الدولية لمنظمة اليونسكو.
هذا اليوم حدد من قبل المعهد الدولي للمسرح أثناء المؤتمر الدولي التاسع للمسرح، الذي عقد بمقر المعهد في فيينا عام ١٩٦١م، واختير هذا التاريخ تخليداً لتاريخ افتتاح أول موسم لمسرح الأمم في باريس، الذي يحمل اسم سارة برنار، أيقونة المسرح الفرنسي وإحدى أعظم الممثلات في العصر الحديث.
واحتفل أول مرة بهذا اليوم في مارس ١٩٦٢م في باريس، ثم توالت الاحتفالات حتى يومنا هذا، ويجري الاحتفال وفق تقاليد ثقافية وفكرية تؤكد عظمة هذا الفن والدور التنويري والترفيهي الذي يلعبه في المجتمع.
ويذكر المعهد الدولي للمسرح، في موقعه على الشبكة الدولية، أن الهدف من الاحتفال بهذا اليوم هو «تعزيز هذا الشكل الفني في جميع أنحاء العالم، وزيادة الوعي بأهميته، ودفع قادة الرأي إلى إدراك قيمة المسرح والرقص، إضافة إلى تقوية فكرة الاستمتاع بهذا الفن بحد ذاته».
وينفرد اليوم العالمي للمسرح بتقليد فكري أصيل وجميل، إذ جرى العرف أن تختار شخصية إبداعية مسرحية لكتابة كلمة خاصة بهذه المناسبة، تعمم على جميع المؤسسات المسرحية بعد أن تترجم إلى عشرين لغة من لغات العالم الحية، وتقرأ خلال الاحتفالات المتنوعة، وتنشر في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة معبرةً عن روح الجماعة ومحددةً أهم القضايا التي تواجه المسرحيين.
وكان للكاتب المسرحي الفرنسي جان كوكتو (١٨٨٩-١٩٦٣) شرف كتابة أول كلمة، وألقيت في الاحتفال الأول بباريس، ثم توالى على كتابتها كتاب مسرحيون من مختلف دول العالم ويمثلون ثقافات متنوعة، مثل آرثر ميلر (أمريكي)، ولورنس أوليفييه (بريطاني)، وفاتسلاف هافيل (تشيكي)، وسعد الله ونوس (عربي سوري)، وقد كتب رسالة عام ٢٠١٩م المنصرم المخرج الكوبي كارلوس سيلدران أستاذ المسرح بجامعة هافانا، وفي هذا العام اختير الكاتب المسرحي الباكستاني شهيد نديم لكتابة كلمة اليوم العالمي للمسرح.
واليوم العالمي للمسرح ليس فقط مناسبة لإقامة المحاضرات والاحتفالات لتأصيل هذا الفن العريق في الحياة والمجتمع، بل ويشكل فرصة سانحة ومناسبة لاستعراض أهم المحطات التاريخية التي جعلت هذا الفن منذ الحضارتين الرومانية والإغريقية يقف على قدميه ويثبت وجوده كجنس أدبي له أصوله، بشكل تحولت فيه ساحات الاستعراضات التقليدية في هاتين الحضارتين من مسرح الهواء الطلق إلى المباني التي بنيت لهذا الغرض، وكانت تنظم فيها المعارك بين السجناء، وقتال المصارعين، وقتال الحيوانات، وتمثيل المعارك الشهيرة والأعمال الدرامية والراقصة، التي تعد أوائل المسرحيات التي عرفها البشر في القرون الأولى قبل الميلاد، وبمرور الزمن أصبح مسرح الساحات المفتوحة، أو مسرح الهواء الطلق الجماهيري، تراثاً عالمياً تهتدي به البشرية في بناء مسارحها.
وأول مسرح بناه الرومان كان في عصر الإمبراطور فلافيو فسبازيان في القرن الأول (ما بين ٧٠-٧٢ بعد الميلاد)، ويعد واحداً من أعظم الأعمال الهندسية في التاريخ، ورمزاً لعظمة الحضارة الرومانية، وتقف أطلاله الآن شامخة في وسط مدينة روما، وقد وضع منذ عام ١٩٨٠ في قائمة التراث العالمي المعرّض للخطر، ويصنف الآن من ضمن عجائب الدنيا السبع.
مبنى المسرح الروماني العملاق، الذي أطلق عليه فيما بعد الكولوسيوم، يرتفع عن الأرض ٤٨ متراً، ويتكون من أربعة طوابق، أما الجزء الداخلي فيضم المسرح المدور، ومكان التنافس، والمنصة العالية، ومقاعد المشاهدين المقسمة حسب طبقاتهم، فكان يجلس في المقدمة الإمبراطور وأعضاء مجلس الشيوخ، وفي الأعلى الطبقات الدنيا من المجتمع، وكان يتسع لحوالي ٨٠٠٠٠ متفرج.
ولا تزال عبقرية المصممين الرومان الذين بنوا مسرح المدرج الروماني مثار دهشة وإعجاب المصممين المعماريين المعاصرين، إذ إن تدرج المقاعد والمصاطب الدائرية، التي تضيق من الأسفل وتتسع حتى الأعلى، يتيح لكل المشاهدين على المسرح رؤية واضحة من الاتجاهات الأربعة، ويبدو أن الغرض من بناء المدرج الروماني بهذا الشكل كان سياسياً، والهدف منه السيطرة على الحشود (الجماهير) وتعبئتها، لكنه مع هذا ساعد على تأسيس المسرح اللاتيني والأرسطي (نسبة إلى أرسطو) بالشكل الذي نعرفه الآن، الذي قام عليه المسرح الأوروبي المعاصر منذ القرن السابع عشر، إذ وجد المسرحيون مكاناً ملائماً ليقدموا فيه مسرحياتهم وعروضهم.
وعندما توسعت الإمبراطورية الرومانية في أوروبا والشرق الأوسط، كان الرومان أينما حلوا يبنون مسارح على طراز المدرج الروماني أو الكولوسيوم، وبقيت هذه المسارح بعد أن بادت دولتهم، وكانت أحياناً جزءاً من مدن بقيت صامدة، لأن الرومان كانوا يشيدون مبانيهم من الصخور المنحوتة، وأغلبها بني في الفترة ما بين القرنين الأول والثالث الميلاديين.
وتكثر المسارح الرومانية في بلاد الشام وشمال أفريقيا، التي رزحت مدة تحت نير الحكم الإمبراطوري الروماني، وأشهرها المسرح الروماني في بصرى بسوريا، والمسرح الروماني في عمان بالأردن، والمسرح الروماني في تدمر بسوريا، ومسرح صبراتة في ليبيا، ومسرح قيسارية في فلسطين المحتلة، ومسرح دوجا في تونس، والمسرح الروماني في الجزائر، ولمتانتها ولقيمتها التاريخية لا تزال حتى الآن تستخدم كمقار للمهرجانات الثقافية والتاريخية والسياحية المحلية.
لم يعد الكولوسيوم مدرجاً رومانياً بائداً، بل إنه بُعث في التصاميم المعمارية في كل مسارح الدنيا، لأنه يوفر التصميم المعماري الأمثل للفرجة المسرحية وللفنون الاستعراضية، وفي قطر هناك الآن ثلاثة مسارح شيدت على نمط المدرج الروماني، أقدمها هو مسرح قطر الوطني، الذي يحتوي على ٤٩٠ مقعداً، وبني عام ١٩٨٢ كجزء من مبنى وزارة الثقافة والإعلام حينذاك، والمسرح الروماني في الحي الثقافي كتارا، المسمى بجوهرة كتارا، وقد افتتح رسمياً عام ٢٠٠٨م، ويحتوي على ٥٠٠٠ مقعد، ومسرح مركز قطر الوطني للمؤتمرات، الذي يقع في المدينة التعليمية ويضم حوالي ٢٥٠٠ مقعد.
إننا إذا رصدنا تاريخ المسرح العالمي منذ بداياته الأولى في ساحات الفرح في الهواء الطلق وحتى تحوله إلى فن أكاديمي الأسس والنشأة، نجد أنه كان ساحة لحوار الحضارات والثقافات، وأن الممثلين كل ليلة يقدمون على مسرح بني على الطراز المعماري الروماني مسرحيات لمؤلفين مسرحيين روس، أمثال تشيخوف، وبريطانيين، أمثال شكسبير، ونرويجيين، أمثال أبسن، وعرب، أمثال أنسي الحاج، وهنا تتشابك الثقافات بلا قيود.
إن مبادئ اليوم العالمي للمسرح لا تعرف الحدود اللغوية ولا العرقية، بل توحد المبدعين ليقدموا فناً جديراً بالمشاهدة والاستمتاع، وليسهموا في الدفاع عن السلام والعدل وبناء المجتمع.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *