سعيد البديد.. الشاعر والإنسان (١-٢)

أبريل 2020

بقلم‭: ‬علي‭ ‬بن‭ ‬عبدالله‭ ‬الفياض

نحدثكم اليوم عن علم من أعلام قطر الطيبين الصالحين الأوفياء، ولا نزكي على الله أحداً، رجل سطر اسمه بمداد من نور في صفحات الذكرى، وكسب بأقواله وأفعاله وابتساماته قلوب الجميع في قطر صغاراً وكباراً، لأنه كان رمزاً للإخلاص والحب والعطاء.
هو سعيد بن سالم البديد المناعي، ولا يحتاج منا إلى مزيد من التعريف، فالمعروف لا يعرف، لكن بعد رحيله إلى عالم الخلود فإنه من الواجب علينا أن نذكره ونذكّر به دائماً.
وأود في هذه المساحة أن أتناول بشيء من الإيجاز ما أمكنني أن ألم به حول شاعريته وأغراضه الشعرية المختلفة، مستعرضاً بعض الجوانب من شعره، ومن هذا المنطلق أقول إنه – رحمه الله – تناول في قصائده العديد من الأغراض الشعرية، كالنصائح، والمديح، والغزل، والرثاء، والوطنيات، والشكوى، والمساجلات، وتطرق في قصائده إلى أنواع أخرى من القول هي الشيلات والمواويل.
لقد قدم لنا البديد ذوب مشاعره وعصارة ذهنه وخلاصة تجاربه في الحياة في قصائد الحكمة والنصائح، التي يقول في إحداها محذراً من الدنيا والاغترار بها وزخرفها ومتاعها الفاني، الذي هو متاع الغرور:
احذر من الدنيا تغرك وتغراك
ولا تحسب انها على الكيف تعطيك
كم كرفت بشراع مثلك وشرواك
وأصبح بلجات العسر والتهاليك
ولا تغرك يا فتى كثر الأملاك
وش عاد لو تربح بكثرة مشاريك
إلا أن تجود بما حوت فيه يمناك
لي جاك ملهوفٍ يسالك ويرجيك
قدم لنفسك قبل دورات الأفلاك
من قبل لا يأتيك من لا يخليك
للآخرة قدم وعمّر لدنياك
واقنع بماجودك عن الناس يغنيك
أثر المنية وين ما سرت وياك
من وين ما تنوي تراها تباريك
حافظ على التقوى ترى الدين يحماك
واصبر على أمرٍ من الله يأتيك
إياك لا تشكي إلى الناس بلواك
اشتك لربٍّ من عديمٍ مسويك
ويحذّر من رفقة السوء الذين يكون ضررهم أكثر من نفعهم فيقول:
أحذرك من ربعة خبيثين الأسلاك
ترى ربعة الحمقين يا صاح تدنيك
يعرضك طرقٍ على غير مهواك
إن صار حزات اللوازم يخليك
رفيقك اللي في المواجيب يعزاك
ولي عزيته في المواجيب يشفيك
رفيقك اللي كلما سمع طرياك
يشفق على شوفك ويفرح بطاريك
وفي قصيدة حكمة أخرى يؤكد ضرورة التمرس واكتساب الخبرات والتجارب في جميع المجالات، فيقول رحمه الله:
ما كل من جس العروق طبيب
ولا كل من شل الكتاب خطيب
ولا كل من هز القنا ينطح العدا
ولا كل صعب إلا عليه صعيب
ولا كل من يقرأ الأناشيد شاعر
ولا كل من جاه السؤال يجيب
ولا كل رجلٍ للوازم تعده
ولا كل شبلٍ من نجيب نجيب
يدل المعاني من يعاني ببحرها
جسورٍ ولو كان البحور غبيب
ومن لا يقيس هرجته في مقامه
يضل الجدا لو هو نجيب يخيب
إن كان ما عندك نديمٍ يدلك
على الخير ولا يعتريك العيب
لا تفوز باقبال الليالي إلى اقبلت
تراها نكورٍ والنكور قريب
وفي قصيدة من قصائده – رحمه الله – يبين أصناف البشر ومواقفهم المتباينة، وطبائعهم المختلفة بين خير وشر، فيقول:
زمانٍ أراني من فعوله هوايله
أرى فيه عدلات الموازين مايله
أرى فيه لو صافيت الأيام ما أرى
من الناس من تحمد مناقب خصايله
ترى الناس أجناسٍ ولو ريت بعضهم
يراويك رضوانٍ تحذر دغايله
يجي لك بهرجٍ ثم ياخذ هروجك
ويبدي بهرجٍ لا ولا كنت قايله
ومن الناس من يدي حقوق اللوازم
لي صار بك حملٍ من الضيم شايله
ومن الناس لو تحتاج له ما لقيته
يا كود هرجٍ فايل من فعايله
خذ الرأي واقصد صاحب الجود والثنا
رب السما اللي لك جزيل فضايله
ولا ترجي المخلوق من دون خالق
خف الله واسأل من مجيب لسايله
هو الله المعطي وهو خير من دعى
ياخذ ويعطي من عطايا نوايله

وفاعل المعروف في غير أهله كمن يلقي البذور في أرض سبخة مالحة لا تنبت شيئاً، ويلخص لنا المرحوم البديد هذه الحكمة في هذه الأبيات:
علام القلب ما يرضى ويقنع
ويكفيه الرضا عن كل مطمع
ويهجر من نوى الهجران حتى
يعاود للرضا أيضاً ويقنع
ومن يزرع بقاعٍ ذاك حاله
ترى زرع الصبخ هيهات يطلع
تعنى للأديم يصح زرعك
ويثمر بالثمر لي ذاك ينفع

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *