راشد بن حمود آل شافي:سكنّا بيوت الطين في الريان أواخر خمسينيات القرن الماضي

أبريل 2020

العدد (46) – ديسمبر ٢٠١١

لقاء: سعود آل شافي
ضيفنا في هذا العدد أحد الرجال الذين عاصروا مراحل متعددة من الحياة في قطر، وعاصر الكثير من حكام الدولة، وتنقل بين أرجاء البادية حتى انتهى المقام به في الريان في خمسينيات القرن الماضي، جئنا إليه للحديث عن الماضي، فأتحفنا بما لديه من معلومات وأخبار عن المقانيص والهجن، وحدثنا عن الحياة الكريمة التي ننعم بها اليوم في ظل التطور والتقدم الذي تشهده قطر، ضيفنا الوالد راشد بن حمود آل شافي، فإلى تفاصيل هذا اللقاء الممتع..

• كيف كانت حياتكم في الماضي؟
– في الماضي كنا نسكن في بيوت الشعر في الشتاء، وفي الربيع كنا نتنقل بين دخان والكرعانة والعريق والرفاع، وكانت المراعي للحلال طيبة، وكنا نتنقل بحلالنا من منطقة إلى أخرى بحثاً عن المرعى الجيد، وفي موسم الصيف نعود إلى الريان حيث كنا نسكن، وفي أواخر الخمسينيات سكنّا بيوت الطين في المنطقة نفسها، وذهب الأطفال إلى المدارس وبدأت المرحلة التعليمية لهم، فأصبحنا لا نبتعد عن المنطقة لارتباط الأطفال بالمدارس ولارتباطنا بأعمالنا، وكانت الحياة جميلة بفضل الله تعالى ثم بفضل شيوخنا أدام الله عزهم، الذين وافروا لنا سبل العيش من رواتب وتعليم وأمن واستقرار.

• من عاصرت من حكام قطر؟
– عاصرت الكثير منهم، بداية من الشيخ عبدالله بن جاسم آل ثاني رحمه الله، وقد كنت أذهب مع والدي رحمه الله إلى مجلسه، وكنت صغيراً آنذاك، وعاصرت أبناء المؤسس، منهم الشيخ عبدالرحمن بن جاسم بن محمد آل ثاني، والشيخ ثاني بن جاسم بن محمد آل ثاني رحمهما الله، أما من غير أبناء المؤسس فقد كنت على تواصل مع كثير منهم، رحم الله الميت وأطال عمر الحي، وأذكر منهم الشيخ حمد بن عبدالله آل ثاني رحمه الله، وكان يتمتع بشخصية قوية وذكاء خارق، لكنه توفي وهو ولي للعهد، ثم حكم الشيخ علي بن عبدالله آل ثاني رحمه الله، وكان عصره عصر الخير والعطاء، ثم من بعده الشيخ أحمد بن علي آل ثاني رحمه الله، وكان محباً لكل ما من شأنه أن يعود بالنفع على البلاد والعباد، ومن بعده الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني حفظه الله، وقد اتسم عصره بالتطور والرخاء، ثم من بعده حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله ورعاه، وعصره عصر الازدهار والتقدم والحضارة والرقي في كل مسارات الحياة الكريمة، وأنا على صلة وتواصل مع سموه ومع سمو ولي العهد الأمين الشيخ تميم بن حمد آل ثاني حفظه الله.

• ما الفرق بين الماضي والحاضر؟
– في الماضي كانت الأمور سهلة وبسيطة، وكل أهل قطر يتعارفون ويعرفون بعضهم بعضاً وكل منهم يسأل عن الآخر، وكانت تقام الاحتفالات في العيد وسباقات الهجن والخيل وتقام العرضات، ومع أن المواصلات كانت قليلة والتنقل كان صعباً إلا أننا كنا على تواصل مستمر، والآن جميع الأمور الطيبة موجودة والخير موجود، لكن أشغال الدنيا والوظائف فرقتنا، فقل التواصل، كما أن كبار السن أغلبهم انتقل إلى رحمة الله تعالى، ومع هذا فإن البركة في الموجود منهم إلى اليوم، وأهل قطر بوجه عام فيهم كل الصفات الطيبة ويمتازون بالتكاتف وحب الخير للجميع.

• كيف كان دور المجالس في الماضي؟
– المجلس كان مقراً ومكاناً للاجتماعات وتناقل أخبار الأمطار والنجوم ومتابعة التطورات وتداول الشعر وحل المشاكل، وتقدم فيه المشورة والحلول، وله دور كبير في إنهاء المشاكل والخلافات القبلية التي كانت تحل عن طريق العرف، وكانوا يقبلون بالصلح احتراماً للمجلس ومن فيه، كما أن للمجلس دوراً كبيراً في تربية الأولاد من خلال الاحتكاك بكبار السن والاستماع للقصص والأشعار وحفظها، فكان بمثابة مدرسة لهم، وما زالت المجالس بفضل الله موجودة.

• حدثنا عن المقناص في الماضي..
– المقناص موروث أساسي في حياتنا، والطير له مكانة خاصة، فهو جزء لا يتجزأ منا، وكان للمقناص طعم لأنه هواية ومعيشة في الوقت نفسه، وكنا نتعب على الطيور الفارسية ونشتريها، وكانت أسعارها تتراواح بين 1000 و3000 ريال، وللأسف انقطعت الطيور الطيبة في وقتنا الحالي، وإن وجدت فتكون بمبالغ خيالية.
وفي السابق كان الصيد وافراً ونهد كل يوم على الحباري والأرانب، وبعض الطيور نقرن ريشها خوفاً عليها من الضياع، وكنا نقيّظ طيورنا في بيوتنا، وكان والدي رحمه الله مولعاً بالمقانيص والطيور ولها مكانة خاصة عنده، وقد قنصت معه وتعلمت منه الكثير.

• حدثنا عن مقانيصك مع الشيخ جاسم بن حمد رحمه الله..
– قنصت مع الشيخ جاسم بن حمد آل ثاني «أبو التعليم» رحمه الله حوالي 8 سنوات، وكنا نقنص من أجل المها والوضيحي ونصطادها وهي على قيد الحياة، ويكون ذلك بركوب بعض الرجال الذين يتمتعون بالقوة وقوفاً في حوض السيارة، وتباري السيارة الظبي حتى تقترب منه فيمسكونه من قرونه بإحكام ومن ثم يجتمعون عليه ويطرحونه ويربطونه بالحبال، وبعد اصطياد عدد منها كان الشيخ جاسم يرسلها إلى قطر، وقد وصلنا إلى حدود عدن ومسكت والقعيمات وجدة الحراسيس ووادي مكشن ووادي كتبيت، وكانت الرحلة تستغرق حتى نصل إلى القاع الذي نريد أن نقنص فيه أسبوعاً تقريباً، والذي نجده في طريقنا من حباري وأرانب كنا نصطاده، وكانت الطرق وعرة، وسياراتنا كانت «دوجات» و«فروت»، وأغلب أهل قطر كانوا يذهبون مع الشيخ جاسم للمقناص، وكان هو يحب أهل قطر ويحرص على «خوتهم»، ومن صفاته رحمه الله أنه كان صادقاً ولا يحب الكذب وذا عزم قوي، وكان يحب المها، وقد أقام لها محمية في مزرعته السليمي، فهو الذي حافظ عليها.

• حدثنا عن سلالات الإبل في قطر..
– أهل قطر كلهم يحبون الإبل، ويفضلون المغاتير على المجاهيم، وأفضل السلالات الموجودة القحيديات، وهي من إبل الشيخ عبدالله بن جاسم، وما زالت إلى الآن هي الأفضل.

• هل كانت هناك ميادين لسباقات الهجن في الماضي؟
– نعم، ميادين السباقات كانت في الفراع، ثم انتقلت السباقات إلى الأبرقة، وكانت مسافة السباق 16كم، وينطلق في الشوط 100 و200 ذلول، وأغلب الجوائز كانت نقدية، وفي السباق كان أهل الهجن يجتمعون وكل يماري بالسبوق التي لديه، ولم تكن هناك عزب، بل كنا نبني الخيام وبيوت الشعر، وبعد الأبرقة انتقلت السباقات إلى مضمار الشحانية، ولم تقصر الحكومة في بنائه وفق أعلى المعايير، وفي السابق كان طعام الهجن التمر والقت والشوار، ولم يكن موجود لدينا ما هو موجود الآن من خلطات وفيتامينات.

• من عاصرت من الشعراء؟
– عاصرت الكثير منهم، مثل راشد بن عفيشة، وابنه عمير، وابن عقيل المري، وسعيد البديد، وحسن النعيمي، وعبدالله الخليفي، وسعيد بن جحيش المظفري، وأسماء لا تحضرني الآن، وكان للشعر روح وقوة وجزالة، وكان الشاعر منهم يصور ما يدور حوله في قصيدة، وكنا نحفظ قصائدهم، عكس شعراء اليوم، الذين يغلب على قصيدهم الغزل، وأنا أنصحهم بالعودة إلى الشعر القديم والكتابة على طرقه وفكرته.

• هل كانت هناك أسواق غير سوق واقف؟
– لم تكن هناك أسواق غيره، وكل الأشياء التي كنا نريدها كانت موجودة فيه، من القهوة والهيل والزاد والعود والذبائح والملابس، وكنا نتعامل مع بعض التجار، منهم عبدالرضا أشكناني وأبو كشيشة، وكنا نأخذ منهم بالدين، وعندما تتوافر معنا الفلوس كنا نعطيهم، وكان الذهاب إلى سوق واقف سهلاً والطريق المؤدي إليه معبداً، وهو شارع الريان الموجود الآن، وما زلت إلى الآن أتردد على سوق واقف لما له من مكانة تاريخية، وأشكر القائمين عليه لاهتمامهم به، فقد أصبح معلماً من معالم دولتنا الغالية.

• ما نصيحتك للشباب؟
– أنصح أولادنا وشبابنا بالمحافظة على الصلاة ورضا الوالدين وصلة الرحم والتقرب إلى الله بكل أعمال الخير، وكذلك بطلب العلم والاهتمام بالدراسة، فهم اللبنة الأساسية لوطننا المعطاء، وأنصحهم كذلك بالمحافظة والاهتمام بالعادات والتقاليد وموروثنا الشعبي.

• كلمة أخيرة..
– في الحقيقة الدولة منذ قيامها على يد المغفور له بإذن الله الشيخ جاسم وهي بلد العطاء والكرم، على أهلها أولاً وعلى الدول الشقيقة والصديقة، والشيخ جاسم رحمه الله أرسى دعائم دولته على التكافل والتسامح وحب الوطن، وقد تكاتف أهل قطر جميعاً في بناء الدولة منذ ذلك العصر، واتبع سنة المؤسس جميع الحكام الذين أتوا من بعده، فكانت قطر تسير من إنجاز إلى إنجاز ومن تطور إلى تطور، والآن في عهد سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني قفزت قطر إلى الأمام في جميع الجوانب التعليمية والصحية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لأن سموه أعطاها الأولوية وأعطى أبناءها الرعاية والاهتمام، فأصبحت قطر دولة يشار إليها بالبنان في جميع المحافل، ونحن سعداء بما وصلت إليه بلادنا من تطور ونمو، ونطمح أن يستمر هذا النمو والتقدم، وأخيراً أشكر مجلة الريان على اهتمامها بالتراث الماضي، وأتمنى لكم التطور في مجال عملكم.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *